تصارعا لعقود على لقب "الأعظم في التاريخ".. 4 أوجه للمقارنة بين بيليه ومارادونا

اقترن اسم أسطورة كرة القدم البرازيلية الراحل بيليه على الدوام بالنجم الأرجنتيني الذي سبقه في الرحيل دييغو أرماندو مارادونا، ولطالما اعتُبرا الثنائي الأفضل في تاريخ كرة القدم، رغم اعتزالهما منذ عقود

تتويج ثلاثي ولقب 1986

شارك بيليه في 4 نهائيات لكأس العالم بين 1958 و1970، ولا يزال حتى الآن اللاعب الوحيد الذي توّج باللقب 3 مرات (1958، 1962 حين غاب عن غالبية المباريات بعد تعرضه لإصابة مبكرة، و1970).

أتى التتويج الأول في السويد وبيليه لمّا يزل في الـ17 من العمر، وحقق يومها إنجازا تاريخيا حين أصبح أول مراهق يسجل في مباراة نهائية لكأس العالم، وبقي منفردا بذلك إلى نهائي مونديال روسيا 2018 حين انضم إليه الفرنسي كيليان مبابي.

سجل البرازيلي 6 أهداف في موندياله الأول، اثنان منها في النهائي وهاتريك في نصف النهائي.

بعد 4 أعوام، رفع الكأس مجددا رغم مساهمته المحدودة بعد إصابته في المباراة الثانية من النهائيات. وبعد الخروج المخيب من مونديال إنجلترا 1966، عاد بيليه بقوة في المكسيك 1970 وقاد بلاده للقب ثالث.

أما مارادونا الذي ولد في عام 1960 (أي يصغر بيليه بـ20 عاما)، فغاب عن التشكيلة الأرجنتينية التي رفعت كأس العالم للمرة الأولى في تاريخها في مونديال 1978 على أرضها.

حضر في مونديال إسبانيا 1982، لكنه تلقى بطاقة حمراء في الخسارة أمام البرازيل 1-3 في الدور الثاني (المرحلة الأخيرة قبل نصف النهائي بحسب نظام البطولة يومها).

بعد 4 أعوام، رفع الكأس مجددا رغم مساهمته المحدودة بعد إصابته في المباراة الثانية من النهائيات. وبعد الخروج المخيب من مونديال إنجلترا 1966، عاد بيليه بقوة في المكسيك 1970 وقاد بلاده للقب ثالث.

أما مارادونا الذي ولد في عام 1960 (أي يصغر بيليه بـ20 عاما)، فغاب عن التشكيلة الأرجنتينية التي رفعت كأس العالم للمرة الأولى في تاريخها في مونديال 1978 على أرضها.

حضر في مونديال إسبانيا 1982، لكنه تلقى بطاقة حمراء في الخسارة أمام البرازيل 1-3 في الدور الثاني (المرحلة الأخيرة قبل نصف النهائي بحسب نظام البطولة يومها).

غالبا ما نظر إلى دور بيليه في الملعب كـ"الرقم 9 ونصف"، مع غزارة تهديفية وصلت إلى 1281 هدفا في 1363 مباراة (بحسب إحصاءات الاتحاد الدولي للعبة فيفا)، تتوزع بين فريقين دافع عن ألوانهما، أي سانتوس البرازيلي ونيويورك كوزموس الأميركي، ومنتخب "سيليساو" الذي خاض معه 92 مباراة، ولا يزال هدافه التاريخي مع 77 هدفا بالتساوي مع النجم الحالي نيمار.

أما مارادونا فكان ينظر إليه أكثر كصانع ألعاب حر يختال بين المدافعين كما يشاء، وسجل خلال مسيرته 345 هدفا في 692 مباراة.

 

ذا كان مارادونا قد صنع من فريق ضعيف كنابولي الإيطالي ناديًا قويًّا يفوز بالدوري الإيطالي مرتين، وهو الإنجاز الذي لم يستطع النادي تحقيقه بعد رحيل النجم الأرجنتيني عنه أبدا،

أو لنقل حتى كتابة هذه السطور، فإن بيليه أيضًا قفز بناديه سانتوس البرازيلي قفزات هائلة خلال لعبه له في الفترة ما بين عامي 1956 و1974م، حتى لَيمكننا أن نؤرخ للنادي بمرحلة ما قبل بيليه وما بعده، فقد سجل خلال ثمانية عشر عاما قضاها مع النادي 643 هدفًا في 656 مباراة رسمية، دون احتساب مئات الأهداف الأخرى في المباريات غير الرسمية، (سجل عبر مسيرته الرياضية 1281 هدفًا في 1363 مباراة، حسب إحصاءات الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA)، وحقق معه ست بطولات دوري، ولَقبَي كأس ليبارتادوريس (بطولة أمريكا الجنوبية)، وبطولتَيْ إنتركونتيننتال (نسخة سابقة من مونديال الأندية). أي أن كلا اللاعبين كان له تأثير كبير على فريقه.

يحاجج البعض بأن بيليه أفضل من ماردونا لأنه فاز بثلاث كؤوس عالم، بينما دييجو لم يفز إلا بواحدة، ولكن حتى هذه الفرضية يمكن مقارعتها من وجهة نظري بما يمكن أن أسميه حجم تأثير مارادونا في منتخب بلاده في ذلك المونديال الواحد عام 1986م، فرغم وجود لاعبين أكفاء في منتخب الأرجنتين حينها كبورتشاجا مثلا وخورخي فالدانو، إلا أنه لا يمكننا تخيّل أن الأرجنتين كانت ستفوز بالكأس لولا لعب مارادونا الخرافي. في المقابل يمكن الجزم أن البرازيل التي تتوفر على لاعبين سَحَرة أكثر من الأرجنتين كانت تستطيع الفوز بمونديالات 1958م و1962م، و1970م، حتى بدون وجود بيليه. فقد كان ديدي أفضل لاعب في مونديال 1958م وليس بيليه. وكان غارينشا أفضل لاعب في مونديال 1962م وليس "الجوهرة السوداء". وكان جارزينهو هدافَ البرازيل في مونديال 1970م بسبعة أهداف وليس بيليه. يُعضّد هذا الرأي الهدف الرابع للبرازيل في مباراتها النهائية لهذا المونديال ضد إيطاليا الذي يمكن عَدُّه هدفًا جماعيا، فقبل أن يُسجِّل كارلوس ألبيرتو توريس الهدف لمستْ الكرة أقدام كل لاعبي البرازيل التسعة الآخرين (عدا الحارس)، وكان آخرَهم بيليه الذي هيأها بصورة مثالية لتوريس ليسجّل، وهو الهدف الذي عُدّ من أجمل أهداف كأس العالم في تاريخه. وبالمناسبة فإن صاحب هذا الهدف درّب منتخب سلطنة عُمان لكرة القدم عامَيْ 2000 و2001م.

وعلى أية حال، ظل سؤال: أيهما أفضل لاعب في التاريخ؛ بيليه أم مارادونا؟، يتردد منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى اليوم، ولم يتوقف حتى بعد أن أجرى الفيفا استفتاء في مطلع هذه الألفية حول أفضل لاعب في القرن العشرين، إذ فاز بيليه من خلال تصويت الصحفيين والمدربين، فيما فاز مارادونا من خلال تصويت الجمهور عبر الإنترنت، فكان أن منح الفيفا اللقب للاعبَيْن معًا. لكن المُدهش هو المحبة والاحترام الشديد المتبادَل بينهما رغم هذا التنافس الظاهري، واعتراف كل منهما بقيمة وفَرادة الآخر. بحكم فارق السن بينهما والذي يبلغ عشرين عاما لم يلتقيا في الملعب قط، لكنهما التقيا في مناسبات رياضية كثيرة، كما التقيا عام 2005م في برنامج تلفزيوني كان مارادونا يقدمه لإحدى القنوات الأرجنتينية. في هذا اللقاء رقّصا الكرة برأسيهما، وعزف بيليه الجيتار وهو يغني: "من أنا يا مارادونا؟ من أنت؟ تريد أن تكون أنا، وأريد أن أكون أنت". وهي عبارة تختزل كل تاريخ المنافسة بينهما. صحيح أن مارادونا رد في مقابلة قديمة معه على سؤال: "مارادونا أفضل من بيليه؟" بالقول: "لا. بيليه هو الأعظم، أما أنا فلاعب عادي"، وقال أيضًا في مناسبة قديمة أخرى: "أفعل ما يجعلني مارادونا ولا أحاول تقليد بيليه، أنا أعلم أنه الأفضل على الإطلاق". لكنه مع مرور السنوات بدأ يغيّر قناعاته، ويشعر أنه هو الأفضل. فقد انتقد مثلًا تصريح بيليه لموقع "فيفا" عام 2012م بأنه وُلِد للعب كرة القدم كما وُلد بيتهوفن للموسيقى، وهو في رأيي تصريح لا غبار عليه، يعكس ثقة "الجوهرة السوداء" في نفسه ولا يسيء إلى أحد، لكن مارادونا الذي كان يدرب نادي "الوصل" الإماراتي حينها قال منتقِدًا: "لا أعلم من أين يأتي بيليه بهذه التصريحات المضحكة"، وأضاف بتهكّم: "إذا كان بيليه بيتهوفن كرة القدم، فأنا الملك جورج وروبن هود وملك كرة القدم". بيد أن بيليه ظل أكثر دبلوماسية من مارادونا، كيف لا وهو الذي أوصلته دبلوماسيته إلى منصب وزير الرياضة في البرازيل، لكنه مع ذلك كان يعلم مكانة دييجو في هذه اللعبة: "العالم خسِر أسطورة"، قالها حزينًا بعد وفاة مارادونا مضيفًا إنه يتمنى أن يلعب معه كرة القدم في السماء.

واليوم، وقد غادر بيليه إلى العالم الآخر، فلا أحد يعلم شيئا إن كانا قد بدءا اللعِب معًا أم لا، لكن الحقيقة المؤكدة الوحيدة، أن كرة القدم ستظل تدين لهتين الأسطورتين بالكثير، فقد حولاها من مجرد لعبة، إلى فنّ ومتعة منقطعَي النظير.